م ن
الإيمان: وسيلة اساسية للحكمة
لماذا اختار المصحف كلمة الإيمان -من بين مرادفات ممكنة كالتصديق والعلم واليقين- ليصف بها العلاقة بالغيب؟ الإجابة، على الأقل جزء منها، تكمن في الجذر نفسه.
الجذر اللغوي: ا م ن
يدور جذر (ا م ن) في اصل العربية حول معنى واحد لا يخرج عن اطاره: الأمان (ضد الخوف) و فيه ثقة و تمكن، والأمانة (ضد الخيانة) ما تم الحفاظ عليه. ومن الجذر نفسه اشتُقت “الأمين” وصفًا لمن يُوثَق به، و”الأمانة” اسمًا لما يُستحفَظ، و”المؤمِن” اسمًا فاعليًّا لمن يمنح الأمان أو يجده.
اللافت أن العربية لم تجعل من “الأمن” مجرد غياب الخطر الخارجي، بل جعلته وسيلة جوهرية أيضًا: “اطمأنّ قلبه” من الجذر نفسه في بعض الاستعمالات القريبة، بمعنى: سكن واستقرّ.
الإيمان : من يضع في قاموس معرفته بعد التحقق
الايمان يكمن في تفعيل العقل و البحث و الجهد الوفير للتحقق مما يتم استقاءه و تداوله, فالمؤمن هو الذي يقوم بالتأمين على ما حوله سواء كان ذلك مادة او مفهوما او عادة متداولة. فان أمنه, اصبح في حوزته مؤمنا عليه. أما الايمان بالشيئ فهو استخدام ذلك الشي للتحقق, فالايمان بالله هو جعل الله مصجر مغذي للتأمين.
هذا فارق دقيق لكنه جوهري: التصديق فعل ذهني يتعلق بصحة القضية، أما الإيمان فهو فعل يتعلق بالتوثيق والتحقق و التجربة و الاستدلال, لا بالاعتقاد و الظن دون دليل او برهان، وهو أوسع من مجرد الإقرار بصحة معلومة.
حين تصف العربية شخصًا بأنه "أمين"، فهي تصفه بأنه مأمون الجانب: لا يُخشى منه غدر ولا خيانة. و"المؤمن" على النسق نفسه: من يُركَن إلى صدقه وثباته.
الإيمان والأمانة: وجهان لعملة واحدة
من المفيد ملاحظة أن المصحف يستعمل الجذر نفسه للحديث عن الأمانة كأداة معروضة للارتقاء في الفهم و قرين متلازم بالاسلام، وكأن الرباط بين المعنيين هو: من كان مؤمنا اي متحققا في نهجه كان أهلًا لبنية سليمة، ومن آمن بشيء فقد اعده وسيلة يستخدمها للوصول الى الهدف المرجو.
خاتمة
قراءة “الإيمان” من زاوية جذره الأصلي تعيد إلى الكلمة بُعدها العاطفي والاجتماعي معًا: فهي ليست حالة ظنية مبنية على مفاهيم غير قابلة للتحقق، بل هي -في أصلها- وسيلة للاحكام و لبنة اساسية في منهج سليم.