الانسان

قالوا لك كما قالوا لي؛ ان الانسان هو انا و انت. رغم ان المصحف يخاطبه على الدوام بالصيغة المفردة, و ليس كما هو الحال في كلمة الناس, على سبيل المثال. فما حقيقة المسألة؟ و هل هي حقا كما تعلمنا - او جهلنا - انها من فنون اللغة العربية و جمالها؟ و ان الامر فصاحة لغوية لتحدي بضعة مئة فرد يقطنون صحراء قاحلة, كانوا صعاب المراس على الخالق, فارتأى ان ينزل لهم كتابا يتحداهم به, و ترك العالم باسره, امبراطوريات عظيمة كالفرس و الروم, الذين على ما يبدو, حسب هذا الفهم القاصر, لم يتسببوا بذلك الحجم من المتاعب, فلم يرسل لهم احد لهدايتهم؟ ام ان الكلم له توظيف و قصد و ليس بلاغة ولا صور فنية و لا نحو و لا صرف! هذا لب ما سنتطرق له في هذا المقال.

من الجدير بالذكر ان كلمة الانسان ترد في المصحف بدون الف و ان الالف الخنجرية اضافة غير اصلية للكلمة, كما هو واضح في المصاحف الحديثة حميعها و القديمة كذلك, كمصحف طوب قابي. و الكلمة في الاصل انس + ن, و النون هنا نون النسوة. و النسا لا تعني ابدا الجنس الناعم و انما ما هو في حاجة للوصول الى اطوار متقدمة من النضوج و الاكتمال, و هذا مبحث منفصل بحاجة لتحقيق كامل في جذور العربية و قواعدها الاصلية المختلفة تماما عن اللغة المعاصرة.

صورة 1: مطلع سورة الانسن من مصحف طوب قابي

لنبدأ بتقصي بعض الايات التي ورد فيها ذكر الكلمة لنستعرض صفات الانسان و نجد دلالاتها و معانيها من قلب المصحف:

اذا من الملاحظ ان معظم الخصائص المقترنة بادم (الانسن) توحي بانه كيان منقوص, في طور الاعداد و الانشاء حتى يصل الى النضوج, له دور او عدة ادوار يقدمها لغيره و انه متأثر جدا بما هو مرتبط به و بحاجة مستمرة الى الدعم و الاتصال. و من المستغرب جدا كيف ان العالم اجمع اتفق على ان ادم هو ابو البشر! رغم اننا نجد, و بكل وضوح في الاعراف, بان سجود المليكة لادم قد جاء في المرحلة الثالثة, بعد عمليتي الخلق و التصوير للجمع:

“ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للمليكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين”. و التفسير المنطقي و الذي يزيل التناقض, بان ادم ما هو الا وحدة بناء لاحقة في منظومة الجمع هذه و التي تحتوي على المليكة و زوجها ادم المقترن بالروح. و اظن ان الوقت قد حان -عزيزي القارئ- لنسف المفاهيم التقليدية و الخوض بعمق في هذه المعاني لتتوافق مع ما وصلت له البشرية من تطبيقات بعد ان وظفت عقولها و استعملت قوانين الخالق بشكل سليم.

و لنبدأ كما بدا المصحف في البقرة:

“هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموت وهو بكل شيء عليم (29) وإذ قال ربك للمليكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون (30) وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على المليكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين (31) قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم (32) قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون (33) وإذ قلنا للمليكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين (34) وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين (35) فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين”

و لنسأل السؤال الاهم: اين هي حواء؟ من الذي ابتدعها من وحي خياله ثم فرض تصوره على الجميع و ادعى بان زوج ادم هي حواء؟ اين عقولنا حتى نصدق خرافات و دجل كهذا؟ الا نرى بان السياق دوما بين ادم و المليكة؟ فمن اين لنا ان نغير هذا القول؟ و هل السرد هذا مجرد قصة من وحي الخيال بين الخالق الذي يتحدى خلقه المطيعين ليستعرض قواه الفذة؟ ام ان المسالة برمتها هي تفصيل لاية: “ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للمليكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين” والتي تتحدث عن عملية البناء لادم فنشا من ذلك بني ادم بعد اكتمال التزاوج؟ و ان الخلق بدأ بالسموت و الارض ثم التصوير (النفخ في الصور, سويته و نفخت فيه من روحي, التسوية) الذي يكمن في تسوية السموت (الاسماء كلها) اي ادم و النفخ فيه من روحه, ما ادى الا انشاء حيوة اخرى اصبح بها قادر على التنبي و اعطاء المليكة سماتها (اسمائها) التي ستصبح من خلالها قادرة على التصديق -اي المطابقة و التحقق- لانهم في بادئ الامر ليسوا كذلك, فبعد ان علم ربها بما هي قادرة على اداءه و انها كانت في طور الكتمان و تحتاج الى من يفجرها, اي زوجها ادم الذي سيقترن بها و بالتالي عليها التهيؤ لاستقبال هذا الامر اي السجود له, و الذي ما هو الاعملية التهيئة لاستقبال الاوامر من ادم النبي الذي يقوم بتوزيع هذه الادوار؟ و ان النبي هو الوحدة المسؤولة عن التنبي؟ و ان ادم هو الانسن قبل امر الله و اصبح بعده نبيا؟و ان امر الله فلا تستعجلوه هو نفخة الروح و لكن الانسن خلق عجولا؟ و ان بني ادم لا تعني مطلقا نحن و انما نتيجة البناء الذي نشأ بعد عملية المزج هذه؟

صورة 2: كلمة السموت كما تظهر في مصحف طوب قابي, ال عمران 109

اقرا معى عزيزي القارئ و بكل تأني, بعيدا عن دجل الموروث لترى بام عينيك كيف ان المعاني واحدة و ان الفرق يكمن في زاوية المنظور:

الخلق التسوية النفخ السجود
خلق لكم ما في الأرض جميعا استوى الى السما فسواهن سبع سموت إذ قال ربك للمليكة إني جاعل في الأرض خليفة وإذ قلنا للمليكة اسجدوا لآدم فسجدوا
خلقناكم صورناكم قلنا للمليكة اسجدوا لادم
اني خلق بشرا من صلصل من حما مسنون سويته و نفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد المليكة كلهم أجمعون
إذ قال ربك للمليكة إني خلق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد المليكة كلهم أجمعون

هل علمت لماذا بدا السرد باذ قال ربك بعد ان ذكر الخلق في الاية التي سبقتها, اي خلق السموت و الارض؟ و ان ما ياتي دوما بعد “اذ” هو تفصيل لما سبقه؟ هل علمت لماذا وضعوا لنا الالف الخنجرية؟ حتى لا نرى التشابه بين كلمتي السموت و الاسم فنظن انهما قصتين منفصلتين. و ان المغزى من قواعد العربية ما هو الا استعراض لفنيات القتال في الالفاظ, و ليس لتوظيف الكلم. فعلى سبيل المثال, نرى ان كلمتي مسلمون و مسلمين يحملان معنى واحد و الفرق يكمن فقط في الاعراب, فان تم نصبها او جرها, تصبح مسلمين! و نسأل هنا, ما الفائدة من هذه القواعد ان كانت بهذا الشكل؟ اليس من الافضل اتباع منهج يكمن في البحث في سياق كلمتي المسلمين و المسلمون حتى نعلم الفرق بينهما وظيفيا و طوريا و بالتالي نفهم المغزى من اضافة “ون” و “ين” الى نهاية الكلمات؟ ثم نتحقق من تلك النتيجة باستعراض كلمات اخرى كالمومنون و المومنين و نضيف المومنات لنجد الغرض من “ات”؟ كما هو الحال في “وت”“؟ فنصبح قادرين على فهم كلمات مثل:

لك الخيار عزيزي القارئ في اتخاذ المنهج الاسلم في الفهم.

الان و بعد ان بدأت الصورة تتضح, نجد ان ادم ما هو الا منسق و موزع للادوار (الاسما كلها) التي استقبلها من علم الله القادم عن طريق روحه و موظف لها, اي نبي. و انه جزء من الكيان باكمله, و انه من الاستحالة بيولوجيا ان ننحدر جميعنا من نسل واحد ثم يحدث الاختلاف العرقي الحاصل في عالمنا من خلال ذلك المصدر الوحيد!

ثم هل بدأت ترى كيف ان هذا الكتاب هو وحدة واحدة ذات سرد مسترسل و متصل؟ و لا وجود لتقطيع في القصص؟ و يبدو ان السبب وراء اخفاء حقيقة هذا الامر تحت مسمى اسباب النزول, هو ايجاد منهج عقيم فكريا للقطيع الذي قبل بتجرع هذا, فنشأ من خلاله و للاسف الشديد, شعوب عاجزة على التفكر و الابداع, فاصبحت مستهلكة بالدرجة الاولى, و تؤدي ما هو مطلوب منها دون تذمر, بالدرجة الثانية.

بناء على ما سبق نستطيع الان ان نفهم جيدا لماذا ذكر بني اسريل مباشرة بعد حادثة ادم و المليكة:

“قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (38) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (39) يا بني إسريل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون”

سادع الامر لك هنا لتتفكر جيدا و تعلم من هم بنو اسريل حقا, و ساخصص مقالا في المستقبل للحديث عنهم, لكن من الجدير ذكره هنا, بان النعمة التي انعم الله عليها بني اسريل ما هي الا ما تم ذكره انفا, اي ادم …

و حتى نتحقق من صحة ما وصلنا اليه, فلنقرا في موضع اخر لنرى ان كان هذا الفهم سليم ام لا:

“وإذ قلنا للمليكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى (116) فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى (117) إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى (118) وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى (119) فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى (120) فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى (121) ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى (122) قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى (123) ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى (124) قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا (125) قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى (126)”

لاحظ كلمة جميعا هنا, فالمليكة (المليكة) من الذين هبطوا, الم يقل: “أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون (1) ينزل المليكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون”.

قارن يا صديقي نفخة الروح في ادم و التى اكتمل على اثرها التزاوج, بنزول المليكة بالروح, و لاحظ الاقتران بحرف الباء في “المليكة بالروح”. فلو كان الامر كما نعتقد, لوجب صياغة الجملة بطريقة مغايرة, على سبيل المثال: ينزل المليكة و الروح معها من امره, و ارجو من كل قلبي ان لا يكون تعليلك للامر هو: لغرض شعري او اعجاز لغوي, فكفانا بحثا عن تاويلات لا تقدم شيئا لعقولنا سوى ابطالها عن العمل و توكيل الامر لغيرنا ليرتع وحيدا في تاويله و التسليم له.

كما لاحظ ايضا ان يوم القيامة (القيمة) في “من أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى” قد حصل مباشرة بعد الهبوط, و هو ليس يوما خياليا سيأتي لينسف الله كل ما على هذه البسيطة ليبدأ بمحاسبتها, بينما هنالك مليارات من المخلوقات لم يصلها “الدين الحق”, فكيف له فعل ذلك و هو العدل الحق؟

قارن تلك الايات جميعا و ما تم ذكره في: إنا أنزلناه في ليلة القدر (1) وما أدراك ما ليلة القدر (2) ليلة القدر خير من ألف شهر (3) تنزل المليكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر (4) سلام هي حتى مطلع الفجر (5). و سادع هذا لك ايضا لتتفكر به حتى القاك في مقالة اخرى نوضح فيها المسألة برمتها, لكن ما نود الاشارة له هنا هو ان ليلة القدر و يوم القيمة اسمان مختلفان لذات الحدث, فكل ما له قيمة هو مقدور … لهذا نجد ان امر الله قد اتى و المشكلة تكمن في التعجل قبل انقضاء الوحي, بدلا من التمهل و البدء بالتعلم و انشاء منظومة فكرية سليمة نصل من خلالها الى القدرة على تقييم الامور و جعلها ذات قيمة و قدر و مغزى.“فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما”.

اذا نفهم من كل هذا, ان ادم هو وحدة التنسيق و التوظيف, و التي تحمل اوامر الله, من خلال الروح (رسول الله) لتزويد باقي المنظومة بالتعليمات اللازمة لاداء وظائفها القادرة على ادائها, فهي مكتومة في الاصل, و بحاجة الى العقل المدبر لتصبح قادرة على العمل بكفاءة, اي تنفجر. و ان كل هذا لا يحدث قبل ان تكون المنظومة مبنية بشكل سليم (مسلمة) حتى تكون من اصحاب اليمين و الا فان هذه الاوامر ستصل بشكل مشوه, و لن تكن قادرة على التعامل معها بصورة نقية فتصبح من اصحاب السعير. فالصلة بين الخالق و خلقه مستمرة على الدوام و ليست منقطعة او بحاجة الى اشخاص تاريخيين لايصالها لنا.

كما تجدر الاشارة الى ان كلمة صلصل تعني صلة عن صلة, اي صلة من الله الى الروح الى ادم, و ان البشر من البشرى, اي القادر على التبشير, اي الحامل للاوامر.

اعلم بانه قول ثقيل, و قد يبدو للكثيرين بانه تحريف متعمد للكلم و انه لا يشبه ما تجرعناه منذ الصغر لا من قريب ولا من بعيد, رغم ان المعاني نجدها في لغتنا لكننا نرفض استعمالها بشكل متجرد و نعول على غيرنا ليخبرنا ما هي, حتى و ان امتلات بالخرافات و الاوهام. كما اعلم جيدا انه يصعب استساغة الموضوع من هذا المنظور نظرا لتقديسنا للمجهول, لكن لنسأل انفسنا, الى متى سنبقى على هذه الحال؟ الم نسأم من تحقير باقي المجتمعات لنا و انه قد حان الوقت لننهض و نواكب ما وصل له العالم اليوم؟ ام الافضل ان نبقى كما نحن, ندعي اننا على حق, رغم عجزنا الواضح على التقدم بسبب التشوه الفكري الذي نعاني منه, ثم نتهم الاخرين و الظروف لتبرير هذا العقم, بل و نتجرأ و ندعي بأنه ابتلاء من الخالق لنا حتى يطهرنا من ذنوبنا! و هنا نسأل, ان كان الامر كذلك, اليس من الافضل اذا التوقف عن النحيب و العويل, و البدء برسم البسمة على وجوهنا حين وقوع مصيبة لنا؟ لاننا على دراية بان الله يبتلينا لحبه الشديد لنا و كرهه لمن اطلقنا عليهم مصطلح الكافرين الذين يعملون بالقوانين التي وضعها ذات الله الذي نظن اننا نعبده حقا.