تخطي إلى المحتوى الرئيسي
  • الصافون
  • المسبحون
  • النار
  • الجن

الملائكة حملة العرش في القرآن

مقال قرآني لاستخراج حملة العرش الحقيقيين و وظائفهم باستخدام البحث المتجرد اللغوي

مدة القراءة: 12 دقيقة -- مشاهدة

خدعوك و خدعوني قبلك عندما قالوا ان حملة العرش هم مخلوقات مجنحة تحمل على ظهرها عرش الرحمن و تدور في فلك ما و تنطق باسم الله على الدوام تحت ما اسموه بالتسبيح. و كأن الله رجل يجلس على كرسي ينظر من خلاله الى الاسفل ليتابع شؤون خلقه! فأي سذاجة هذه؟ أنصدق كل تلك الخرافات فقط لاننا نقرأ في الأثر ما فرض علينا قدسيته: أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ ، إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِ مِائَةِ عَامٍ! و حبذا لو نتسائل هنا, كيف علم هذا؟ و ما الفائدة في اذن كهذا ليكشفه لنا؟ ما التغيير الحاصل في البشرية ان علمت معلومة كهذه؟ الم يكن من الأولى ان يكشف لنا -على سبيل المثال- احدى أسرار الكهرباء في الطبيعة؟ و التي ما زلنا ليومنا هذا نكتشف منها ما هو جديد! سر واحد على الأقل في مجال كهذا ليطمئن قلب من -لا دين لهم- …

عودة لنقطة الأصل، و تكمن في هذا المبحث باستخراج حملة العرش، من بنية المصحف و الاستدلال عليهم، حتى نكشف بها صاعقة جديدة، لعلها تضيف فاصلة جديدة على السطر، فالنقطة ليست محمودة هنا لأن المسيرة لا يجب ان تتوقف مطلقا و نحن ما زلنا في ما قبل البداية.

صفات حملة العرش و وظائفهم

فلنبدأ بالبحث في النصوص التي تذكر صفات حملة العرش, و التي تتلخص في:

الحمل

  • و قال لهم نبيهم ان اية ملكه ان ياتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم و بقية مما ترك ال موسي و ال هرون تحمله المليكة ان في ذلك لاية لكم ان كنتم مومنين. و هنا تجدر الاشارة الى ان اصل كلمة تابوت من التوبة, و ليس ذلك الصندوق الخشبي. كذلك الامر بالنسبة للمسكين, فهو الذي يسكن. اما سبب استعراض النص هذا فهو للاشارة الى ان المليكة تحمل صفة الحمل دوما. و الحمل في اصله يعني عملية التعبئة المؤقت, فتحميل الذاكرة يعني ملئها و الحمل البيولوجي هو احتواء الحامل على الجنين. و الحمل صفة انثوية: الله يعلم ما تحمل كل انثي و ما تغيض الارحام و ما تزداد و كل شي عنده بمقدار. فالانثى اكتسبت هذه التسمية من خلال وظيفتيها الاساسيتين, الحمل و الوضع. و لا يعني ذلك ان الانثى في المصحف هي الجنس الناعم مطلقا.

الكفر و النار

  • و كذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا انهم اصحب النار الذين يحملون العرش و من حوله يسبحون بحمد ربهم و يومنون به و يستغفرون للذين امنوا ربنا وسعت كل شي رحمة و علما فاغفر للذين تابوا و اتبعوا سبيلك و قهم عذاب الجحيم. و لا أعلم كيف ننكر هذا؟ النص بكل وضوح يخبرنا ان الذين كفروا هم اصحاب النار الذين يحملون العرش! الم يؤكد على ذلك ايضا في: و ما جعلنا اصحب النار الا مليكة و ما جعلنا عدتهم الا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين اوتوا الكتب و يزداد الذين امنوا ايمانا …. اذا من الواضح تماما ان تعريف الكفر و المليكة و النار في الموروث خاطئ تماما بل و كارثي! فأصل كلمة الكفر من الحجب و التغطية و هي حالة اولية إلزامية قد تبقى ملازمة لمن يرفض الإستقبال المستمر اما المليكة فهي من الملك, اي انهم عناصر قادرين على حمل السمات و العمل بها بحيث تبقى جزء من طبيعتهم فيملكوها,حيث انها خاصية فطرية في كينونتهم.

و هذا القصد ايضا من ملك اليمين, اي ما ملكته نتيجة تأمينك على دينك (منهجك) فأصبح جزءا تلقائيا من منظومتك الفكرية. أما النار فهي و النور اصل واحد: مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما اضات ما حوله ذهب الله بنورهم و تركهم في ظلمت لا يبصرون. فالنار بصيص نور لكن الفرق يكمن في الانحصار, فصاحب النار يرى من منظور و أفق محدود بما اوقدت له النار من تلك الزاوية فأصبح يرى في ذلك الاتجاه. لكن قد يكون اتجاها ضيقا, ناقصا او خاطئا. و بناء عليه , فإن لازم صاحب النار تبعيته لها, لن يرى الصورة كاملة و سيفقد طريق النور الذي يضيء كل ما حوله. و هذا هو لب الإشكال, فأثر التعلم الجزئي قد يوهم صاحبه انه وصل الى اليقين, و هذا يصل به الى مرحلة اشباع وهمي غير محمود يمنعه من اكمال المسير ان ظن ان تلك النار هي النور بأكمله.

حملة العرش الثمانية

بعد ان عرفنا ما سبق, لنبحث في وظائف المليكة، حيث سنجد انهم يقومون بما يلي:

1. يحملون العرش
2. يسبحون بحمد ربهم
3. يومنون به
4. يستغفرون للذين امنوا

و هنا تصديق لذات الوظائف: و ترى المليكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم و قضي بينهم بالحق و قيل الحمد لله رب العلمين

و لنأتي الى اهم دلالة و موضع يحدد حملة العرش الذين نعلم من خلال النص انهم ثمانية: و الملك على ارجايها و يحمل عرش ربك فوقهم يوميد ثمانية و هذه اشارة الي اكتمال عددهم، حيث انهم في بادئ الامر ثلاثة و يكتمل نصابهم بخمسة كما نرى هنا: اذ تقول للمومنين الن يكفيكم ان يمدكم ربكم بثلثة الف من المليكة منزلين بلى ان تصبروا و تتقوا و ياتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة الف من المليكة مسومين . فالالف ليس عددا مطلقا و انما من الالفة و التوليف، ففي بادىء عملية الايمان، يكون هناك ثلاثة من المليكة يقومون بعملية التنزيل، و مع الاستمرار في عمليتي الصبر و التقوى (من التقوية)، يكتمل النصاب و يصبحوا ثمانية، و تكون وظيفة الخمسة الاخرين هي التسويم اي اعطاء السمة, و منها اصل كلمة السموت, و باكتمال نصابهم يتم حمل عرش الرحمن.

كما اننا علمنا بأنهم مسبحين بطبعهم، فنجدهم في الصفت 1 يتكلمون بكل صراحة عن انفسهم: و ما منا الا له مقام معلوم و اننا لنحن الصافون و انا لنحن المسبحون. و لو عدنا الى بادئ السورة 2 و قمنا بعد الذن تم ذكرهم، سنجد المفارقة بأن المذكورين عددهم ثمانية و هم:

  1. نوح: سلم على نوح في العلمين انا كذلك نجزي المحسنين انه من عبادنا المومنين. الم يأمره بأن يحمل من قبل من كل زوجين اثنين؟ فالحمل من وظائفه!
  2. ابرهيم: سلم على ابرهيم كذلك نجزي المحسنين انه من عبادنا المومنين.
  3. اسحق: و بشرنه باسحق نبيا من الصلحين و بركنا عليه و على اسحق و من ذريتهما محسن و ظالم لنفسه مبين. و هؤلاء هم الثلاثة الاولين. كما تجدر الاشارة، و بقوة هنا الي ان يوسف قد قام برفع ابويه، ابرهيم و اسحق على العرش: و كذلك يجتبيك ربك و يعلمك من تاويل الاحاديث و يتم نعملته عليك و على ال يعقوب كما اتمها على ابويك من قبل ابرهيم و اسحق ان ربك عليم حكيم. ثم نجد لاحقا بانه قام برفع ابويه على العرش: و رفع ابويه على العرش و خروا له سجدا . فكيف لا يكونا من حملة العرش؟
  4. موسي
  5. هرون: سلم على موسي و هرون انا كذلك نجزي المحسنين انهما من عبادنا المومنين.
  6. الياس: سلم على ال ياسين انا كذلك نجزي المحسنين انه من عبادنا المومنين.
  7. لوط: و ان لوطا لمن المرسلين اذ نجينه و اهله اجمعين الا عجوزا في الغبرين. و هنا نسأل من هم أهله؟ الم يذكر من انجاه من قبل و اياه؟ و نجينه و لوطا الى الارض التي بركنا فيها للعلمين. الذي شائت “الصدفة” ان يكون ابرهيم, احد حملة العرش الانف ذكرهم…
  8. يونس: فلولا انه كان من المسبحين للبث في بطنه الى يوم يبعثون. فهل يوجد اوضح من ذلك؟ انه من المسبحين الذين تكلموا ههنا: و ما منا الا له مقام معلوم و اننا لنحن .الصافون و انا لنحن المسبحون.

و لنعد الى الانفال و نرى كيف، مرة اخرى. اقترن المليكة بالذين كفروا، و من الملاحظ جيدا ان من سموا انفسهم بالمفسرين و النحوين قد عجزوا تماما هنا فوضعوا قواعد واهنة في محاولة بائسة لابعاد صفة الكفر عن الملك، رغم ان النص، و بكل وضوح يقول: و لو ترى اذ يتوفي الذين كفروا المليكة يضربون وجوههم و ادبرهم و ذوقوا عذاب الحريق. فالمسألة برمتها تدرج في الخروج من الظلام الى النور بازالة ما يغشي الابصار و يعمي القلب عن التفكر و البدء باكتساب و تزويد وحدات الملك مخزون يجعل منها عناصر قادرة على اداء وظائفها و تفجير طاقتها الكامنة.

محاكمة النص و التحقق

لكي يستقيم هذا المنهج القائم على أحادية الجذر اللغوي، لا بد لنا من إخضاع أطروحتنا لمحاكمة نصية مباشرة أمام بعض النصوص التي قد يظن البعض -للوهلة الأولى- أنها تتعارض مع هذا الطرح المعرفي الدقيق، لنرى كيف يفكك هذا الميزان أي لبس:

  1. إشكالية الطاعة المطلقة : لا يعصون الله ما امرهم ويفعلون ما يومرون

    • المفهوم الأحادى المتجرد: إذا كانت المليكة هي عناصر وقوانين كونية وإدراكية جُبلت على مسارات وظيفية محددة (كما أسلفنا في ارتباطها بأصحاب النار كحالة حجب وظيفية أولية)، فإنها حرفياً لا تملك القدرة على الخروج عن برمجتها الفطرية. فالقانون الفيزيائي أو المحرك الإدراكي الأولي لا “يعصي” حدوده البنيوية المصممة له. وبالتالي، فإن طاعتها وعدم عصيانها هي صفة تكوينية آلية وليست خياراً أخلاقياً كما صوره الموروث.
  2. إشكالية الأجنحة بمفهومها السطحي : جاعل المليكة رسلا اولي اجنحة مثنى وثلاث ورباع

    • المفهوم الأحادى المتجرد : وفقاً لقاعدتنا، لا يمكن أن يعنى “الجناح” هنا ذلك الريش المادي الطائر. فأصل جذر (ج-ن-ح) يدور حول الميل، والانحراف الجانبي، والتشعب (كما في و ان جنحوا للسلم فاجنح لها أي مال لجهة معينة). بناءً عليه، الأجنحة هي أشعة متجهة، أو أبعاد ومحاور تشعب وظيفية (ثنائية، ثلاثية، أو رباعية الأبعاد) تتحرك من خلالها هذه العناصر حاملةً للمعلومة أو السمة. وهذا يعزز تماماً تحليلنا لكيفية توليف الأعداد (3 و 5) لتكتمل في مصفوفة الثمانية!

خاتمة

بناءً على هذا البحث المتجرد المبني على نصوص المصحف، يتضح أن “عرش الرحمن” ليس سقفاً مادياً فوق الغمام، بل هو منتهى منظومة التوازن الكوني والوعي الإنساني المستقر على قواعده الثابتة. وحملة هذا العرش ليسوا كائنات أسطورية مجنحة معزولة عن واقعنا، بل هم المفاصل الثمانية الكبرى للوعي والتمكين والتحميل البياني الذي تجسد في مسيرة هؤلاء الأنبياء (المسبحين بالضرورة والمترابطين بالبنية). إن الانتقال من عتبة التوليف الأولي (الثلاثة آلاف) عبر الصبر والتقوية والتراكم المعرفي إلى مرحلة الاكتمال والسمو (الثمانية بكامل نصابهم) هو القانون الفطري والمستمر لكل مجتمع أو فرد يسعى لامتلاك أدوات “الملك” وإدارة واقعه بكفاءة عليا، بدلاً من البقاء في زاوية الحجب والقصور المعرفي.

لقد آن الأوان لكسر أصنام الموروث الساذج الذي حوّل نصوص التحميل الكوني إلى حكايات خرافية تُقعد العقل البشري وتفصله عن سنن الطبيعة والكهرباء والطاقة المحيطة به. إن إعادة قراءة المصحف وفق أحادية جذر الكلمة ووحدة دلالتها الوظيفية لا تكشف لنا روعة المعمار الإلهي فحسب، بل تضع خطوة البشرية الأولى على مسار الانجيل والازدهار الحقيقي. فالعرش يُحمل اليوم وكل يوم بمدى تفعيلنا لتلك المنظومات الفكرية المتكاملة في عقولنا، وما زلنا في ما قبل البداية، والسطر مفتوح لمن أراد العبور من ضيق “النار” المحصورة إلى سعة النور الشامل المحيط بكل شيء علماً ورحمة.

Footnotes

  1. تكتب صفت هكذا و ليس الصافات. راجع المصحف الذي بين يديك ↩

  2. استخدام كلمة سورة هنا كما هو متعارف عليه, اما بنية المصحف فليست كذلك. و كلمة سورة من الجذر (س-و-ر) بمعنى الاحاطة ↩

الإعجاب والتعليقات

التعليقات وأزرار الإعجاب/عدم الإعجاب مُدارة عبر giscus باستخدام نقاشات GitHub - تحتاج لحساب GitHub للمشاركة.